28 - 11 - 2020

ترنيمة عشق| مِن "سوكوتو" جنوبًا إلى "كورونا" شمالا

ترنيمة عشق| مِن

ولأن العطايا على متن البلايا.. فكان الابتلاء بالكورونا فاتحة خير للعديد من شعوب العَالم، التي تُكنّ مشاعر متضاربة تجاه الإسلام، فمنهم من يجْهله؛ وبعضهم يصفونه بالإرهاب؛ وآخرون يعلَمون صِدقه وحقيقته بيْدَ أنّ نفوسهم الحاقدة تجعلهم يسترونه أو يغيبونه عن الواقع، فكانت المحصلة جهلا واتهامًا وانتقاصًا من قَدْر الرسالة الخاتمة والنبي الخاتم صلوات ربي وسلامه عليه.

فجاءت جائحة كورونا تحمِل على متنها عطايا تُعيد للإسلام ورسوله بعضًا مما يستحق، ففي عين الوقت الذي يحاول فيه الكيان الصهيوني منع الأذان بالأقصى الشريف؛ وتحاول فيه بعض الدول ذات الأقلية المسلمة اضطهاد المسلمين والتنكيل بهم وحرقهم وذبحهم؛ بل وفي بعض بلدان إسلامية وعربية تُتخذ خطوات للنيل من السُّنة النبوية ورسولنا الكريم والصحابة، وإتاحة الفرصة لأن يتصدر البعض مشهد التفسير المغرض لآيات القرآن الكريم.

في وسط كل هذا الزّخم المثير للغثيان.. تصدح مساجد أوروبا بألمانيا وإيطاليا والسويد وفرنسا والدنمارك والنرويج وصربيا، وعديد من دول أسيا كالصين والهند والفلبين وغيرها بالأذان؛ بمكبرات صوت تثير الشجن والأنين؛ وتريق الأدمع في عيون وقلوب مسلمين تاقت أرواحهم لتطرب مسامعها بنداء الله أكبر.

لم يتوقف الأمر على الأذان فقط، بل استتبعه إقبال شغوف ورغبة عارمة من ملحدين ومعتنقي أديان وديانات وضعية؛ لاقتناء تفاسير القرآن الكريم وترجماته، تبغي التعرف على ذلك الدين وتلك العقيدة التي وضحتْ أمامهم رأي العين أنه يتم تشويهها جهارًا نهارًا، بينما هي في جوهرها بعيدة كل البعد عن تلك الصورة الخاطئة التي اعتقدوها.

لكن إذا أردنا الموضوعية..  فليكن السؤال الذي يجب أن يفرض نفسه هو: هل نلقي اللوم على أعدائنا فقط، أم أنّا نشاركهم -بجهل أو عمْد- الانتفاص وتشويه صورة الإسلام ورسوله؟

في شمال نيجيريا؛ توفي رجل عام 1817 يُدعى "عثمان دافودي" كان عالمًا متخصصّا بالعلوم الشرعية واللغة العربية، على يديه قامت مملكة "سوكوتو"، ضمت كل من النيجر ونيجيريا وبوركينا فاسو ومالي، لعبت دورًا كبيرًا في مقاومة الاستعمار،  وقد ترك ذلك المجاهد 176 كتابًا، وابنته الشاعرة "نانا" واسمها يعني: (الشريفة بلغتهم)، وابنًا وأخًا كانا كاتبَين مرمرقَين.

اعتاد "عثمان دارفوري" عقْد دروسٍ مشتركة للرجال والنساء؛ مردّدا أن العِلم فريضة، وأن الرجل عليه أن يعلّم زوجته إن كان عالِمًا، أو يتركها تخرج من بيتها لتَلقي العِلم إن كان جاهلا، ولا قوامة لزوج جاهل على زوجة متعلمة.

المفارقة أنه وبعد 200 عامًا من هذا الفكر التنويري؛ تأتي جماعة "بوكو حرام" ترفض تعليم البنات، وتحرّم المكتبات، وتَهدِم الأضرحة، وتدمر الجهود الحضارية الإسلامية! وبالمناسبة كلمة "بوكو حرام" تعني: (الكِتاب حرام).. وبوكو مشتقة من كلمة "بوك" أي كتاب باللغة الإنجليزية.

ثم يأتي على المسلمين حينٌ من الدهر لا يقدمون أو ينشرون عن الإسلام إلا الغزوات والفتاوى المتشدّدة، وكيف أن النبي كان محاربًا ومقاتلا وغازيًا فقط.. ثم ماذا بعد؟ لا شئ.

الغربيون الآن وبعد أن رسخَت تلك الصورة في أذهانهم والتي وقف خلفها فاعلون معينون مغرضون تمهيدًا لتشويه الإسلام ووصفه بالإرهاب.. الآن يسعون -سيّما بعد أحداث 11 سبتمبر وجائحة الكورونا- للتعرف على الوجه الإنساني لديننا ونبينا.. الأمر الذي يُلقي على عاتقنا مسؤولية توضيح صورة عقيدتنا؛ وكيف أن الإسلام دين الإنسانية؛ والرحمة؛ والعدل؛ والتسامح؛ والتكافل؛ والحرية؛ والمساواة؛ والعِلم؛ وإعمار الكون؛ والتعايش؛ وقبول الآخر.

والأمر ذاته ينسحب على نبينا المصطفى؛ الذي يجب تضمين صورته الإنسانية الصحيحة في مناهجنا الدراسية وإعلامنا؛ وتدريس سيرته من حيث كونه أبًا؛ وجدًا؛ وزوجًا؛ ومعلّمًا؛ وصديقًا؛ ومُحبًا؛ وطفلا؛ وأخًا؛ وراعيًا للغنم؛ وتاجرًا؛ وجارًا بل وفكِهًا (يحب المزاح)... كما يجب إبراز النماذج الإنسانية والعلمية والفلسفية رجالا ونساءً؛ والمجتهدين من صحابته، وممن أتى بعدهم؛ على مدى حضارة الإسلام التي ازدهرت قرونًا وقرونا في شتى بقاع العالم.

فهل نُعدّل مناهجنا الدراسية لنقضي على أفكار الجماعات الظلامية، وتُوضع خريطة إعلامية جديدة؛ يتصدّر المشهد فيها علماء الأزهر الثّقات، ويتولى خطباء المساجد تصحيح الأفهام وتنوير الأذهان؟.. إنّا لمنتظرون.

-----------------------------

بقلم: حورية عبيدة

مقالات اخرى للكاتب

ترنيمة عِشْق| إسماعيل ياسين وسيدة المترو
اعلان