12 - 07 - 2020

«كورونا».. هل يصحح العلم والسياسة؟

«كورونا».. هل يصحح العلم والسياسة؟

بقدر عمق التراجيديا يكون ما ينجم عنها من تأملات ذهنية، ومن تحولات في الواقع الحياتي، حركيات تراجيديا الكورونا تكاد تكون هي الأعمق كوكبياً منذ الحرب العالمية الثانية، وإذا كان من أبرز هذه الحركيات ما يجري من سباق محموم للتوصل إلى لقاحات للوقاية منها، فإن عمليات فهم واستيعاب مدخلات هذا السباق، تكاد تلمس مجمل أوضاع ومستقبليات العلم والسياسة في العالم، الأمر الذي يجتهد هذا الطرح في تناوله.

كما هو معروف، صاحب بزوغ كورونا 2019، كوباء في الصين، تبادل الاتهامات بشأن المسؤولية عنه بين الخبراء والمراقبين في عديد من الدول الغربية المتقدمة. ولوحظ وقتها قدر من التحفظ من جانب الصين.

وبينما تتسع الاتهامات وتتنوع من جانب، مع استمرار التحفظ النسبي من جانب آخر، كان انتشار وباء العدوى بالفيروس يتصاعد في معظم مناطق العالم إلى حد أن أعلنت منظمة الصحة العالمية تحول العدوى من «وباء» إلى «جائحة»، بمعنى عولمية الوباء، حيث صار يختص بالعالم ككل، وليس بمنطقة (أو مناطق ما) بمفردها.

مع هذا التحول كان العالم يشهد ارتقاءات في الإرشادات الطبية لمقاومة العدوى، وتحولات في نمط الحياة اليومية بشأن العمل واللقاءات بين الناس، وتحجيمات في السفر والانتقال داخل وعبر حدود الدول.

عندها فقط - أي بعد تحول العدوى إلى المستوى العولمي- وضح للجميع، وليس فقط الخبراء والمراقبين، قدر التناقضات الحياتية في العالم المتقدم، بما يتضمنه ذلك من الإخفاق في الإدراك المبكر لمتطلبات تحجيم العدوى، حتى إن مستويات العدوى والوفيات في عديد من البلدان المتقدمة صارت هي الأعلى في العالم.

التحول إلى الاحتراس

لقد جسدت هذه الحقيقة الحاجة العظمى للقاحات باعتبارها العامل الحاسم في حماية الملايين من عدوى كورونا 2019، أو كوفيد- 19 كما صار يشار إليها. وبالتوازي مع ذلك ظهرت الحاجة للأدوية العلاجية لتقليل الوفيات.

وهنا، توقف - إلى حد كبير- مسلسل التقاذفات والاتهامات بشأن المسؤولية عن منشأ كورونا، وإذا ما كانت مؤامرة أمريكية أم صينية، حيث تحول الجميع - تقريباً - إلى الاحتراس، والعمل، والتأمل.

«الاحتراس» من العدوى، و«العمل» على التوصل إلى اللقاحات المناسبة والأدوية، و«التأمل» في حقيقة أوضاع مجمل الشأن العام في البلدان، المتقدمة والتي تهاوت دفاعاتها وتنظيماتها أمام عدوى الكورونا. ذلك مع تغلب الصين عليها وتعافيها منها.

الحقيقة أنه للمفارقة (أو للتناقضات) بين أوضاع وسلوكيات العلم والسياسة، في الصين من جانب، وفي الغرب من جانب آخر، علاقة مباشرة بمسألة التوصل إلى اللقاحات والأدوية.

هنا تجدر الإشارة إلى إشادات من الأوساط العلمية الغربية، خاصة من داخل الولايات المتحدة، بما فعلته الصين مبكراً في تعاملها العلمي مع الفيروس، حيث حددت التتابع الجيني له، وأرسلته مع بداية يناير 2020 إلى المسؤولين في معظم الدول لتعميم الاستفادة منه في عمل الأدوات التشخيصية للفيروس، وفي التوصل إلى لقاح له.

وبالفعل كانت هذه المبادرة المبكرة أساساً قوياً لبدء السباق بين الشركات ومعاهد البحوث في الغرب للتوصل إلى اللقاحات، وكذلك من أجل اكتشاف أدوية للعلاج.

مما يجدر ذكره هنا أن الدراية بالبنية الكيميائية للفيروس لازمة للتوصل إلى لقاح لتجنب العدوى، أو إلى دواء لعلاج من يصيبه الفيروس بالفعل، خاصة أن تجريب اللقاحات والأدوية على الإنسان يحتاج إلى دراسات مسبقة على حيوانات تجارب تكون قد جرى نقل العدوى إليها.

أيضا تجدر الإشارة إلى نشأة قدر ملحوظ من التعاون بين المعاهد البحثية والشركات الدوائية في الغرب ونظيراتها في الصين من أجل التوصل إلى لقاحات وأدوية لمقاومة وعلاج كورونا 2019.

اللقاحات كإشكالية

وهكذا، جاء موقف الصين مناسباً لضخامة إشكالية كوفيد-19 كجائحة (عولمية).

في ملامح السباق للتوصل إلى اللقاحات والأدوية، كجزء من الإشكالية، يمكن جذب الانتباه إلى ما يلي: أن قدراً من التشابه التركيبي لفيروس كورونا 2019 مع فيروس كورونا سارس (الذي ظهر 2012) قد أدى ببعض الشركات الأمريكية للعودة إلى ما كانت قد توصلت إليه من أبحاث (أو منتجات) لإعادة البحث عليه وتحويره بحيث يكون لقاحاً مناسباً لكورونا 2019.

إن ما كان قد جرى التوصل إليه (خاصة في الصين) من آلية للفيروس الجديد في إحداث التليف في الرئة صار مرشداً لبعض التناولات التكنولوجية الجديدة الهادفة للتوصل إلى لقاحات متطورة.

وقد بدأت بالفعل منذ أيام أول تجارب على متطوعين، كانت أولهم سيدة في عمر 43 عاماً.

حتى عند التوصل إلى اللقاحات، فمن المتوقع وجود قدر من عدم التوازن بين الاحتياج إلى اللقاحات والقدرات الشرائية للحصول عليها، سواء في الشمال أو الجنوب.

أن مأمونية اللقاحات، وبالتالي التروي في التوصل إليها، يتطلب الحذر من كل من احتمالية ظهور المرض عند من يراد وقايتهم منه Disease enhancement، وإحداث اللقاح لالتهاب مدمر Damaging inflammation.

أما بالنسبة للتوصل إلى أدوية لعلاج من يمرض بكورونا فمعظم البحوث تُجرى على أدوية موجودة بالفعل. التجارب التي تُجرى تهدف للكشف عما قد يكون لهذه الأدوية من فوائد على من تصيبهم العدوى. معظم هذه الأدوية تكون من مضادات الفيروسات، أو منشطات المناعة، أو بعض الأنواع الحديثة من الأدوية (البيولوجية) التي تهدف إلى تقليل الالتهابات. ذلك إضافة إلى اجتهاد صيني في تجريب أحد الأدوية المعروفة باستخدامها للعلاج من الملاريا، وهو دواء «كلوروكوين».

المستقبليات

ومع كل السباقات الجارية الرامية للتوصل إلى لقاحات وأدوية يبرز تساؤل مستقبلي جديد، وعولمي بحق، وهو: ماذا بعد كورونا ؟ لقد تجسدت مع وقائع (وملابسات) هذه الجائحة انتباهات علمية وسياسية لم تكن موجودة من قبل في عموم الشارع الغربي، ولا في عموم الشارع السياسي في جميع أنحاء العالم. من بين هذه الانتباهات يمكن الإشارة إلى ما يلي:

* غفوة الاستشرافات بخصوص أوضاع الصحة والخدمات.

* ضعف في إمكانات وتوجهات إدارة الشأن العام، الأمر الذي يعكس ضعفاً في المنظوميات.

* الوجود (والتنامي) لضعف ملحوظ في الثقة بين عموم الناس من جانب، وتوجهات وقدرات الحكومات من جانب آخر.

وختاماً تبقى ملاحظة خاصة: إذا كان قد قُدر لنا في تسعينات القرن الماضي استشراف تحول في شعوب الشمال إلى معاناة تتشابه مع معاناة شعوب الجنوب، وذلك جراء مسارات العولمة (الوطنية في مواجهة العولمة - سلسلة اقرأ- دار المعارف- القاهرة- 1999)، فهل يكون من جراء تراجيديات الكورونا نشأة حمية من نوع جديد تختص بالتفكير الجماعي بشأن تحسين أوضاع العالم، شماله وجنوبه على السواء؟
---------------------------
بقلم: د. محمد رؤوف حامد *
* أستاذ جامعي مصري

نقلا عن صحيفة الخليج

مقالات اخرى للكاتب

«كورونا».. هل يصحح العلم والسياسة؟
اعلان