05 - 07 - 2020

وجهة نظري| الكورونا ووهم التغيير

وجهة نظري| الكورونا ووهم التغيير

لا أعرف مبعث الثقة التي إستمدها البعض ممن راهنوا على أن العالم مابعد الكورونا سيكون مختلفا! لاأدرى بالضبط تصورهم عن ذلك الإختلاف! وهل سيكون للافضل أم أن الأمر سينحصر في صعود قوى وهبوط أخرى ليظل ميزان العدالة مختلا بفعل قوى مهيمنة وتظل اللعبة السياسية بنفس قواعدها الخشنة المتجبرة اللا إنسانية!

كل الشواهد تؤكد أنه لا جديد تحت الشمس وأن التغيير للأفضل الذى لا يكف الحالمون الأنقياء حد السذاجة عن الأمل بتحقيقه، مجرد وهم وأضغاث أحلام.

رغم حالة الرعب التي إجتاحت العالم، رغم حالة الفزع، رغم العجز المؤسف الذى بدت عليه دول كبرى كنا نظنها أفضل حالا من تلك التى تنتمى للعالم الثالث.. رغم حصد الموت لآلاف الأرواح وتربصه بعشرات الآلاف.. رغم كتم الملايين لأنفاسهم في إنتظار مجهول، إما الإصابة والموت أو التعافى وميلاد جديد للحياة.

تفاصيل صعبة لأكبر مشهد رعب نعيش تفاصيله كل يوم، صوتا وصورة.

مشهد كان مجرد تخيله يمكن أن يثير فينا الكثير من الخيال والحلم بعالم أفضل، عالم يتكاتف لمواجهة الخطر، يتعانق لبث الطمأنينة والدف في نفوس أفراده، لامكان فيه للأنانية والجشع والغل والكراهية والحقد.. عندما يهدد كل أفراده معا وفى نفس التوقيت خطر الموت وتتراءى أمام عينه أشباح النهاية.. هل يمكن أن يتجاهل كل ذلك ولايحرك فيه ساكنا ليظل على نفس الحال أم أنه يندفع رغما عنه، لحالة من التطهر والرقى والتسامى والترفع!

بالطبع تبدو تلك السمات الساذجة لامحل لها من الإعراب وسط واقع حمل بنفسه إجابة حاسمة لينسف خيالات المتوهمين ويصيبها في مقتل.

قبل الكورونا أو معها أو بعدها لن يختلف الأمر كثيرا، سنبقى كما نحن ويبقى العالم كما هو، ويبقى الوضع على ما هو عليه.

أفرادا كنا أم دولا، حكاما كنا أم محكومين، ننتمى للعالم الأول أم ذلك الأخير.. لن يتغير الحال.

محلك سر بتنا جميعا كأفراد أقرب لتلك الحالة.. تقوقع كل منا على ذاته.. لم يدفعنا الخطر للتقارب.. ليس التزاما بعدم الإختلاط، لكنه الجفاء الذى أدمنناه، فبتنا جميعا في جزر منعزلة.

هرب كل منا لعالمه ليستنزف مزيدا من وقته.. وسقطت ورقة التوت التي كانت تدارى انعزالنا ووحدتنا وتقوقعنا.

في نفس الدائرة ما زلنا نسير مغمضى العينين لانرى إلا ذواتنا.. ولم يعد يشغلنا إلا أحوالنا.

لم يتغير أحد منا حتى في تعامله مع كارثية الخطر.. بين خائف حد الذعر ومتجاهل حد الإستهتار، بين حذر حد الوسوسة ولامبال حد الإهمال، بين مروج للشائعات وبين متلق لها بلاوعى، بين نافخ على وتر الفزع غير مبال بحالة الرعب وبين ساخر حد الهستيريا ليخفى بضجيج ضحكاته على  ملايين الأجراس المنذرة التي يتردد صداها في نفسه المرتعدة بلا رحمة.

بين من يجد راحته في سماع الأغانى، وبين من يجد طمأنينته في كتاب الله.. بين منتهز للفرصة متربصا لإثبات وجوده يحرك دماه المغيبة لتسير في الشوارع مثيرة للضحك بدعواتها المتربصة بالفيروس وبين متحفز لفرض مزيد من الهيمنة والسيطرة وإثبات اليقظة والضرب بيد من حديد.

ومثلما تيبست إنسانية الأفراد، أصابت كورونا تحركات الدول الإنسانية بمزيد من الجمود والتيبس، صحيح سمعنا عن مساعدات من هنا وأخرى من هناك تتبرع بها دول لمساعدة دول أخرى منكوبة بالفيروس، إلا أنها جاءت في الغالب متخفية وراء اهداف ومصالح تمهد بها لما بعد الكورونا!

ولم يخل المشهد الدولى أيضا من مكائد سياسية وتصريحات إستفزازية ومناوشات واضحة، ظاهرها الرحمة وتحمل في طياتها رسالة غطرسة وإثبات للقوة.

فبمجرد أن أبدت أمريكا نيتها في تقديم المساعدات الإنسانية لطهران سرعان ما أعلنت الأخيرة رفضها ليبدو أن لعبة التجاذب التي أدمنها الطرفان لن تنتهى، حتى ولوكان اللعب على حافة الهاوية وعلى شفا النهاية التي تهدد الكوكب كله بفعل الكورونا.

جنون الأرض أكبر كثيرا من أن يغيره خطر الموت وشبح الفناء وكابوس النهاية.. لم يفعل كورونا شيئا، سوى أنه أزاح الأقنعة وأيقظ المتوهمين السذج على خطأ حلمهم الإنسانى.
----------------------------
بقلم: هالة فؤاد

مقالات اخرى للكاتب

وجهة نظري| خدمة الغز
اعلان