08 - 04 - 2020

وجهة نظري| صفقة القرن "البديلة"

وجهة نظري| صفقة القرن

غضب عربي شعبي مكتوم.. لم يعلن عن نفسه بعد.. ابتلع مهانة الإعلان عن "صفقة القرن" في صمت خجول.. وتجاهل التعليق على رد الفعل الرسمي المتخاذل الضعيف في أغلبه وإن لم يسلم من مرارة هوانه.

تجاهل عن عمد بفعل قبضة أمنية تحول دون السماح بأدنى حد من الإحتجاج.. وتقف حجر عثرة أمام أي خطوة رفض صريح غاضب معلن.. وتكتم أي صرخة غضب ترفض إستباحة الأراضى الفلسطينية والمقدسات العربية.

لم تأمل الشعوب العربية في ردود فعل رسمية قوية تتناسب مع حجم الخطر والإستهانة والتبجح التي وصمت صفقة القرن المزعومة، والتى تعيد تفاصيلها المحزنة مأساة أن يعطى من لا يملك ارضا عربية لمغتصب لم يملكها يوما ولايستحقها.

ولم تتوقع تلك الشعوب سوى بيانات تنديد وشجب هزلية.. ولم يخيب قادتها ورؤسائها وملوكها الظنون فجاءت أغلبها ضعيفة لم تفلح حتى في ذر الرماد في العيون واكتفت أخرى بصمت لايخلو من تواطؤ، ولم تجرؤ رابعة على الحديث عن الصفقة بعدما شاركت في لقاء العار الذى أعلن فيه الرئيس الأمريكي عن صفقة القرن المشؤومة.

لم تثلج ردود الفعل الرسمية صدور شعوب غاضبة.. ولم يحرك الغضب المكتوم تلك الشعوب المقيد بعضها بفعل القمع والعجز والضعف والمنسحق بعضها الآخر بفعل التطاحن والحروب الأهلية وتدخل القوى الخارجية للعب في ساحتها وتحويل أرضها لساحة حروب بالوكالة.

وسط ذلك المشهد القاتم في مأساوية هوانه يتسرب الحديث عن "صفقة قرن بديلة" يتبناها الإتحاد الأوربي.. لم تضح تفاصيلها بعد، ومازالت نقاشات تجرى لبلورتها بدأت خلال اجتماع وزراء خارجية الإتحاد الذى عقد بميونخ هذا الشهر. والذى ناقش سبل تفعيل اللجنة الرباعية الدولية للرد على صفقة القرن الأمريكية.

بالرغم من أن الآمال الكبيرة لايجب أن تعول على مثل هذه التحركات، وأن ماحك جلدك مثل ظفرك.. ولكن لأننا ندرك جميعا ضعف الظفر العربى في قضية لاتحتاج فقط لنبش ظفر بقدر ماتحتاج لمخالب وأنياب، إلا أننا تماشيا مع واقع مخجل لانملك سوى أن نعلق بعضا من أمل على تلك المبادرة.. ولانملك سوى أن ننتظر ماتسفر عنه من نتائج علها تمنع تلك الجريمة البشعة التي حملتها صفقة القرن الأمريكية/الإسرائيلية والتي لم يحل الرفض الفلسطيني لها دون الإسراع في تطبيقها وتنفيذها على أرض الواقع.

فبعد أيام قليلة من إعلانها إنطلقت الجرافات الإسرائيلية تهدم وتمزق وتعيد تشكيل الأرض وإغتصاب المزيد منها.

لا تفوت إسرائيل الفرص ولاتضيع كثيرا من الوقت في الجدال، ولاتعبأ كثيرا بردود فعل دولية تعرف أن جميعها لاتخرج عن مجرد أدوار مرسومة فقط لمحاولة إثبات الحضور والإعلان عن الوجود ومحاولة تبوء مكانة لتصبح رقما ما في حسابات القوى.

للأقوياء لغة ولا يملك الضعفاء سوى التعويل على ثغرات الخلاف المفتعلة الموظفة بينها..

ولأن السياسة هي فن الممكن والذى يمكن به أن تصل لما يبدو عصيا في الواقع ومستحيل.. يعلق البعض آملا على المبادرة الأوربية علها تنجح في وقف تنفيذ صفقة القرن الأمريكية.

أمل وإن بدا ضعيفا أمام تحرك إسرائيلى شرس، يستهدف ضم الأغوار والمستوطنات ويتعمد حصار الفلسطينيين في كانتونات مجزأة تطلق عليها بتسلط وتبجح "دولة"، ليجعل من صفقة القرن أمرا واقعا غير عابيء بالرفض الفلسطيني كما جاء على لسان نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي "أنه سيطبق صفقة القرن بقبول الفلسطينيين أو برفضهم".

لم يعد هناك متسع من الوقت لإنقاذ ماتبقى من فرص تحقيق السلام على أساس حل لدولتين.. ولم تعد الصيغ الملتبسة أو المحايدة أو المترددة تجاه المؤامرة الأمريكية/الإسرائيلية تجدي لوقف الإنقلاب الأمريكي على الشرعية والقانون الدولى، كما صرح رئيس الوزراء الفلسطيني محمد أشتية ولاتساعد تلك الصيغ على إنقاذ السلام بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلى بل تشجع على التمادى في تنفيذ الخطة المشئومة.

حجم وخطر الأزمة يحتم التحرك السريع لمواجهتها، والغريب أن نسمع أصواتا تدعو للإنتظار لمابعد الانتخابات الإسرائيلية، معتبرين أن  تلك الانتخابات ستحد من قدرة إسرائيل على إتخاذ أي قرار بشأن العملية السلمية!

هكذا يدمن العرب التأجيل والتسويف، بينما لاتضيع إسرائيل الوقت وتفرض كل يوم واقعا جديدا يخدم خطتها الإستعمارية وتنتزع كل يوم مزيدا من المكاسب يفقدها العرب خصما من رصيد قضيتهم ومقدساتهم.

ورغم ان صفقة القرن البديلة يجرى الحديث عنها على إستحياء وأن جهدا كبيرا من المفترض أن يبذل وضغطا أكبر يفترض أن يفرض ليصبح لتلك الصفقة دوى وأثر مسموع، ومع ذلك لم تتعامل معها إسرائيل بإستخفاف، ولم تترك الأمر يمر دون إثبات إعتراضها فاسرع ساستها إلى الإعراب عن قلقهم من المبادرة الأوربية مؤكدين أن إسرائيل تعمل على كبح جماحها وأنها بعثت رسائل لبعض الدول الأوربية مؤكدة فيها على أن الوقت ليس مناسبا لإعتراف أحادى بالدولة الفلسطينية وأن التحرك يحبط إمكانية إجراء مفاوضات مباشرة بين الطرفين حول تسوية نهائية!

ليس هذا فقط بل تحاول إسرائيل أيضا إقناع وزراء خارجية الإتحاد الأوروبى بمنح فرصة للمبادرة الأمريكية، مطالبة سفرائها في تلك الدول ممارسة الضغط لتجنب رفض أوروبا لصفقة القرن وعدم الإدلاء بتصريحات قوية ضدها! وفق مانشرته صحيفة الشرق الأوسط.

هكذا يبدو الفارق بين التحرك الإسرائيلي الذى لايكف عن طرق الحديد غير عابيء بسخونته، بينما يغفو رد الفعل العربى في سبات خزى يعكس الضعف العميق.

فهل تنجح صفقة القرن البديلة في تغيير تلك الحالة لينجح العرب في وقف المؤامرة الأمريكية الإسرائيلية، أم أن إسرائيل ستنجح هذه المرة أيضا في فرض واقعها الإستعماري الإستيطانى المحكم البغيض.

للأسف لا نملك كالعادة سوى الإنتظار، لعل الأيام تحمل لنا إجابة مرضية هذه المرة!
----------------------
بقلم: هالة فؤاد

مقالات اخرى للكاتب

وجهة نظري| كورونا وأرض النفاق

أهم الأخبار

اعلان