21 - 11 - 2019

عاصفة بوح| ريموت كنترول

عاصفة بوح| ريموت كنترول

فقدت الوظيفة العامة هيبتها وتأثيرها ودورها المنوط بها حتى تلاقى فى المقابل الاحترام التى تستحقه.. هل هم ضحايا ظرووف سياسية ومتغيرات اجتماعية واحتياجات و ضغوط اقتصادية، أم متهمون بالتخلى عن مهام وظيفتهم بإرادتهم المنفردة طلبا لمصلحة أو رغبة فى مغنم.. أو درءا لخطر يطول لمن لا يهلل ويدعم ويناصر ويبرر.. فيقدم صكوك الولاء ويريق ماء وجهه لعله ينجو من العاصفة التى طالت الكثيرين، ففضل أن يقصر طريقه ولتذهب قدسية الوظيفة العامة للجحيم!

فى الفترة الماضية، فوجئنا بتحول بوصلة بعض من المسؤولين والإعلاميين من اليمين إلى اليسار، ومن الانبطاح التام لسياسات الحكومة وموالييها إلى لعب دور المعارضة الوطنية باستنساخ مطالبها!

رأيناهم يطالبون بضرورة فتح المجال العام وإعطاء فرصة للرأي الآخر، وفى قول آخر إتاحة الفرصة للمعارضة كي تشارك.. بعيدا عن حملة الاعتقالات الاستباقية حتى يخاف المربوط والسائب، والماشى جوه الحيط وليس بجانبها.

وجدنا نفس الوجوه التى اتهمت المختلف عن النفير العام بالخيانة والرغبة في إسقاط الدولة وليس حتى النظام.. يتحولون 180 درجة ويصرخون مطالبين بضرورة إتاحة الفرصة للحراك السياسى والاستماع لكل الآراء تحت شعار إثراء الحياة السياسية.. مارش عسكرى يعزف على نوتة واحدة، نفس الأناشيد والأنغام بناء على توجيهات، وجدت في رياح منذرة آتية من دول مجاورة انفجر فيها الغضب نتيجة لصعوبات اقتصادية وفساد ساد وتوغل، خطرا لابد من احتوائه، فكانت كياسة سياسية حميدة أخرجت البخار المكتوم من معقله، بفتح المجال العام ولو بانفراجة مؤقتة نتمنى أن تطول!


أما المفاجأة الثانية فكانت مطالبة نواب الشعب القيام بالوظيفة المنوطين بها، بعدما ناموا فى العسل طويلا، نيابيا فلم نر لهم نشاطا مؤثرا ولا ترجرجت حيطان مجلسهم الموقر باستجوابات مؤثرة لسلطة من المفروض أن تعمل للمجلس ألف حساب.. بالعكس وجدنا تهديدات بعزل من يخرج على الإجماع العام، بل تم عزل البعض منهم فعلا لأسباب لا تتناسب مع العقاب المنزل، بدلا من أن يتم لفت نظر الآخرين الذين تنازلوا عن مقتضيات وظيفتهم كنواب عن الشعب الذى انتخبهم للدفاع عن مصالح الأغلبية، ولكن ما حدث أنها كانت دورات هادئة وكانت الحكومة والمجلس فيها إيد واحدة!

يرى الذى يرون ما لا ترى الأغلبية، أن المرحلة كانت تتطلب ذلك وأكثر، لخطورة الأوضاع وكثرة القضايا الخلافية واحتياجنا لتمرير قوانين بعينها تتطلب انجازا سريعا، فلا وقت للمنازعات الشكلية والاستجوابات التى لا طائل منها، لأن المطلوب توافق تام وإجماع عام ووقوف وراء الدولة، لنحميها من المؤامرات العالمية والكونية، وطبعا لا ننسى الإرهاب!

لكنها الحمد لله، مرحلة وعدت، حتى فاجأنا سيادة الرئيس وهو يطالبهم ألا ينسوا وظيفتهم الدستورية الهامة، استجابة لشفافية مطلوبة من الشعب الحائر، بين فاتورة الإصلاح والخوف من مصائر دول دفعت تمن ثوراتها النبيلة غاليا، وأن يستفيقوا ويقوموا بواجبهم النيابى من مراقبة ومحاسبة وتشريع  يلبى طموحات شعب لم يجد من يحنو عليه!

 هل نسوا وضعهم الدستورى كسلطة للشعب، لها قوة إسقاط الحكومة إن لم تلتزم هى الأخرى بمقتضيات وظيفتها؟ بل لها سلطة عزل الحاكم  نفسه إذا لم يكن أمينا على الدولة كما جاء فى دستورها. هل نسوا أنهم نوابنا وصوتنا العالى للدفاع عن مصالحنا ودرء الظلم عنا، إذا ما نسى يوما مسؤول نفسه وتصور أننا بلا ظهر.. أو لقمة سائغة يمضغها وقتما يشعر بالجوع المالى أو تصيبه شراهة التحكم فى خلق الله؟.

 هل نسوا كل ذلك وانتظروا الأوامر الرئاسية حتى يقوموا بعملهم الهام جدا لتوازن السلطات ومن ثم استقرار الدولة؟

هل كان لابد أن ينتظروا مطالبة الرئاسة لهم، بكلمات صريحة وعلنية، استجوبوا الوزراء، حاربوا الفساد، اكشفوا عن مواطن الخلل والضعف فى الأداء العام، راجعوا القوانين، استجيبوا لنبض الشعب الذى يريد أن يعرف لماذا لم يشعر بعوائد التنمية والمشاريع على حياته اليومية؟ 

كونوا أمناء على مقتضيات العمل النيابى وقدموا الاستجوابات ومشاريع قوانين حقيقية تعمل على صون مصلحة الأغلبية، وتناسب الدول الديموقراطية الحرة و.. و..!!

كيف وصلنا لتك المهزلة؟ هل رؤوس الذئاب الطائرة فى كل المجالات جعلت الكل ثابتا فى مكانه، خوفا وفزعا وترقبا لما تأتى به الأيام، حتى يوائم أموره إما بالسكوت او بالرقص والتطبيل حتى يصل إلى شاطيء يطمئنه؟ هل أصبحت الوظيفة العامة خطرة على أصحابها سواء سكتوا وهادنوا، أو تصادموا وعارضوا  بتقديم وجهات نظر مختلفة يرون فيها حلولا لمشاكل مستعصية الحل بالطرق التقليدية؟  

ربما كل ما سبق هو نتيجة لاختلاف التوجهات توقيتا وضرورة! خاصة بعدما  عاصرنا سجن  رئيس أحد الأجهزة الرقابية لإعلانه حجم الفساد، وبعدها تعلن الدولة أن الفساد يحتاج إلى مواجهة حاسمة ولا أحد يستطيع اليوم أن يكون فوق القانون.. ووجدنا أساتذة ومفكرين متخصصين فى علم  السياسة، ومع ذلك تم سجنهم لأنهم يتكلمون فى السياسة، واليوم نجد الدولة تطلب من المتخصصين والإعلاميين أن يتكلموا فى السياسة، بعدما ماتت طعنا وغدرا، حتى تستفيد الدولة من تعدد الآراء لربما تجد فى التعددية الفكرية الثرية خروجا من كثير من المآزق والصعوبات، سياسية واقتصادية ناهيك عن تبعات فكر إرهابى تُرك يبرطع وحيدا على الساحة، حتى تمكن من عقول الناس ويحتاج إلى إرادة حديدية وفكر مستنير حتى ننجح فى دحره، فتلك وحدها قضية كانت تستحق اهتمام مجلسنا الموقر!

مرة أخرى، ربما نذر الخطر التى جاءت من دول مجاورة ضربت ناقوسا للأجهزة تحذرها بأن للشعوب درجة تحمل وصوتا يظهر عند الضرورة، ولا سبيل لتفاديه إلا بمراجعة سياسات وممارسات وقوانين ثبت فى التطبيق فسادها، فلا حرج من مراجعتها، فهي اجتهاد إنسانى وليست نصا قرآنيا مقدسا، كما أعلنها الرئيس، فلا مقدس إلا احتياجات الناس وتوقهم للعدل بكل صوره!
----------------------
بقلم: وفاء الشيشيني
من المشهد الأسبوعي

 

 

مقالات اخرى للكاتب

عاصفة بوح| ريموت كنترول

أهم الأخبار

اعلان