13 - 11 - 2019

وجهة نظري| فوبيا الربيع العربى

وجهة نظري| فوبيا الربيع العربى

يبدو أن بعض حكامنا وساستنا العرب أصابتهم فوبيا الربيع العربى.. وتبدو حالتهم تلك أشبه بالحالة التى تصيب مرضى الحساسية كلما هل الربيع.

ورغم كل ما أصاب ثورات الربيع العربى من فشل ، ومن أن كل من دعمها وآمن بها مني بالإحباط واليأس، ورغم الثمن الفادح الذى دفعه رموزها ونشطاؤها من سجن وقهر وتنكيل وتشويه وإتهامات بالعمالة والخيانة وإثارة الفوضى.

ورغم حالة التربص التى يتعرض لها من يجهر بإيمانه بها وإنتماؤه إليها.. وحالة التوجس والحذر والريبة التى تتعامل بها الأنظمة مع كل دعوة للتظاهر أو الإحتجاج خيفة من أن تعيد الحراك للشارع الخامد بفعل قبضة القوة الأمنية من جانب، وقبضة اليأس من جدوى أى تحرك ونجاحه فى تحقيق مايسعى المحتجين لتحقيقه.

رغم كل هذه الحالة من الصمت والسكوت حد الخنوع فى كثير من الأحيان وغض الطرف عن سياسات كارثية للأنظمة.. ومع كل هذا لاتزال فوبيا الربيع العربى تؤرق الحكام العرب فى مضاجعهم.. وأعراضها بدت واضحة بعدما إنطلقت الموجة الثانية من الربيع والتى بدأت بالجزائر وإمتدت إلى لبنان والعراق التى شهدتا حراكا شعبيا مبهرا.

سيناريو الغضب الشعبى يتكرر.. ومثلما لم يستفد الثوار العرب مما حدث من أخطاء فى الثورة المصرية، لم يستفد الحكام العرب أيضا مما لحق بنظرائهم جراء العناد والوقوف فى وجه غضب الشعب، وما انتهى إليه مصيرهم من إسقاط وتنحى ومحاكمة وسجن وحرق وقتل وإقصاء.

لا أعرف إذا كان السبب يرجع إلى غواية السلطة، أم غشاوة التكبر والتجبر، أم غرور القوة، أم الإستهانة بحقوق الشعب والإستخفاف بغضبه وإستضعاف حراكه وتقزيم ثورته، واليقين أن الفشل هو النهاية المحتمة لكل ثوراته مهما بدت قوتها وعنف فورانها؟!

ربما تكون تلك الأسباب مجتمعة، تجعل الحكام العرب يواجهون ثورات شعوبهم بنفس ردود الفعل البطيئة العنيدة.

نفس السناريو يتكرر.. ونفس المواقف والمؤسف أن تنتهى لنفس النهايات.

شعوب تخرج للاحتجاج على تردى الأحوال، بعدما فاض بها الكيل ونفد كل مخزون الصبر وهوت كل قدرة على الإحتمال.. فقر ومرض وبطالة وغلاء وإهدار للكرامة ووأد للحرية وافتقاد للعدالة.. وفوقها محاصصة طائفية تعانى منها بلدان عربية لها تركيبة وطبيعة خاصة مثلما يحدث فى لبنان والعراق.

حجم المعاناة التى تتكبدها تلك الشعوب والتى فجرت غضبها وثوراتها لم تجد آذانا صاغية لدى حكامها، بل على العكس واجهوا احتجاجها بصم الآذان والتجاهل وبقرارات مستفزة تصب مزيدا من الزيت على النيران، لتؤجج حركة الشارع وتزيدها اشتعالا.. يعلو هدير الغضب فينتبه الساسة، لكنهم لايلقون سوى بالفتات متظاهرين أنهم يلبون جزءا من مطالب المتظاهرين، ومع حيلهم المفضوحة يرتفع سقف المطالب، وكلما مر الوقت يزداد السقف ارتفاعا.. وبدلا من المطالبة بإستقالة الحكومة يهتف المتظاهرون: "الشعب يريد إسقط النظام".

"كلن يعنى كلن" قالها اللبنانيون بعدما يئسوا من كل وجوه ساستهم الحاكمة، وبعدما فقدوا كل قدرة على تحمل المزيد من فسادهم وبراجماتيتهم ولعبهم الكريه على وتر الطائفية وإذكاء نيران فتنتها.

قوة الغضب الشعبى لم تدفع بعض هذه القوى الحاكمة لإعادة النظر فى خطاياها، بل آثرت الوقوف فى وجه الثورة تكيل لداعميها نفس الإتهامات التى كالها نظراؤهم فى بلدان شقيقة سبقتها.

إتهموا الثوار بالعمالة والخيانة وتبنى أجندة خارجية.. وتلقى أموال من الخارج. "ما احنا عارفين نركب مسرح بالميدان" هكذا رد بعفوية أحد المتظاهرين اللبنانيين على تلك الإتهامات.

ومن لبنان للعراق لايزال صدى الاتهامات يتردد، وإن كان لردود فعل الغضب العراقى وقع أكثر عنفا وسخطا وغضبا.

ردود فعل تبدو طبيعية ومفهومة ومنطقية بعدما تعرض له الشعب العراقى من مآسى كارثية على مدى عقود طويلة.. جوع وفقر وفساد وديكتاتورية واحتلال وقمع وذل وتشريد وتعذيب وتشرذم وطائفية وتدخل سافر لقوى خارجية، اتخذت من الأرض العراقية ملعبا لإستعراض قوتها وفرض هيمنتها، ساعدها تواطؤ أحزاب وقوى حاكمة مهيمنة تحكم العراق بقبضة من حديد.

ومثلما دفع هؤلاء الساسة غرور القوة لاستبعاد أن يتكرر سيناريو الربيع العربى فى بلادهم، فاجأهم الشعب العراقى بقوة غضبه وعنف صرخته التى أطلقها فى وجه جميع الرموز السياسية الفاسدة.

هتافات قوية هزت بغداد وامتدت لكثير من المدن العراقية بينها الديوانية وكربلاء والبصرة وديالى .

غضب عنيف قابلته القوة الأمنية بعنف أكبر، تصاعدت حدة الإشتباكات فسقط مئات القتلى وأصيب آلاف الجرحى، لكن سقوطهم لم يثن عزم المتظاهرين، إستمر الاحتجاج ولم تهدأ حدة الثورة.. ومازال المشهد العراقى المعقد الساخن لاينبيء أفقه بقرب إنتهاء الأزمة وتلبية مطالب الثوار.

مازال رئيس الوزراء العراقى عادل عبد المهدى رافضا إستقالة حكومته ولا تبدو هناك نية لتقديمها، يشجعه على ذلك كما يرى المراقبون بعض الأطراف السياسية التى تخشى من إجراء إنتخابات مبكرة ينجح فيها التيار الصدرى فى تغيير المعادلة السياسية لصالحه بعدما دخل على خط الإحتجاجات وكسب شعبية أكبر من خلالها.

وبينما تتجاذب القوى السياسية العراقية أطراف الصراع، تؤجج قوى خارجية لتزيد المشهد تعقيا وإشتعالا.

 فمن جهة يتهم المرشد الأعلى الإيرانى على خامنئي المتظاهرين فى العراق بتلقى دعم من أمريكا وإسرائيل.. اتهامات قابلها المتظاهرون بإشعال النيران فى العلم الإيرانى والإسرائيلى كأبلغ رد، وكأن لسان حالهم يقول لا إيران ولا إسرائيل من يحركنا وكفانا تدخلا فى شؤوننا.. نريد عراقا للعراقيين.

لا يزال الغضب مستمرا ولا يزال المشهد مشتعلا، لا أحد يعلم ما تنتهى إليه الأحداث، هل تنتهى بإنتصار حركة الشعب وإعلاء كلمته؟ أم أن رياحا عاتية تهب عليه وعلى كل ثورات الخريف العربى لتلقى نفس مصير ربيعها.. لا نملك سوى التمسك بالأمل، فالثورات كما تعلمنا، لا تكسب بالقاضية لكنها موجات وجولات حتى يأتى يوم يستجيب فيه القدر.
---------------------------
بقلم: هالة فؤاد
من المشهد الأسبوعي




مقالات اخرى للكاتب

وجهة نظري| خطيئة أحمد الطنطاوى

أهم الأخبار

اعلان