18 - 01 - 2022

الكرة والسياسة

الكرة والسياسة

ظن بعض المحللين السياسيين أن النشاط الكروى الزائد قبل الثورة إلى درجة التحزب والعنف إنما كان تعويضاً لاشعورياً عن التغييب السياسى، وإبعاد الناس عن العمل السياسى، واستئثار الحزب الحاكم بالسلطة، ومعرفة نتائج الانتخابات مسبقا، أغلبية مطلقة للحزب الحاكم عن طريق التزوير وإبعاد المعارضة الإخوانية واليسارية عن مجلسى الشعب والشورى. والتحزب للنوادى، أهلاوى، زملكاوى إنما هو تعويض عن التحزب السياسى، إخوانى، وفدى، ليبرالى، ناصرى. كما أن قدرة التحزب الكروى على تجنيد الجماهير تعويض عن قدرة التحزب السياسى والمعارضة الفئوية وحشد الثورة لطاقات الجماهير، فالحضور الطاغى للكرة تعويض عن الغياب الطاغى للسياسة ما قبل الثورة. وكانت الدولة تشجع مثل هذا التحزب الكروى بتجنيد أجهزة الإعلام التى تحت سيطرتها لهذا الغرض، وحشد قوى الأمن والشرطة لحراسة الاستاد الذى تجرى فيه المباراة، وتنظم الجماهير فى المدرجات، دخولا وخروجا، قياما وقعودا، وتحرس المظاهرات فى الشوارع التى تحمل الأعلام وتصدح بالهتافات حتى الصباح. ويصنف الناس بين الولاء للنوادى ورموزها وألوانها بدلا من الولاء للأحزاب وشعاراتها.

وأحيانا قد تطفو ظاهرة «الألتراس» وهو لفظ معرب عن اللفظ اللاتينى ultra بمعنى الحد الأقصى أو الذروة، وهو تطرف مقبول. هم الشباب الشديدو الولاء لأنديتهم الرياضية، فى حين أن التطرف الدينى أو التطرف السياسى مرفوض. والتطرف واحد، وهو المغالاة فى الولاء إلى درجة التحزب الأعمى. لهم زى معين، ولون معين، وهتافات خاصة، وحركات مميزة، كما كان الأمر فى الشباب السياسى، القمصان الخضر فى حزب مصر الفتاة، التنظيم السرى فى جماعة الإخوان، شباب الطليعة الوفدية وربما أيضا شباب الحزب النازى مع الفارق. وترفع أعلام النصر بعد المباراة للفريق المنتصر، وتنكس أعلام الهزيمة للفريق الخاسر، وكأن البلاد تمر بذكرى عيدها الوطنى أو بذكرى هزيمتها فى يونيو 1967 أو فى ذكرى الغزو الأمريكى لأفغانستان أو العراق أو العدوان أو فى ذكرى ثورة يوليو 1952 أو فى ذكرى حرب أكتوبر 1973 أو ثورة يناير 2011 أو العدوان الإسرائيلى المتكرر على غزة. وقد يستعمل العنف بين جمهورى الناديين المتلاعبين ويسقط الشهداء. وتُعلن حالة الطوارئ وكأننا فى انتفاضات شعبية مثل يناير 1977 أو الأمن المركزى فى يناير 1986. وتستمر المظاهرات من جماهير النادى المنتصر حتى صباح اليوم التالى، وإطلاق الصواريخ، ورفع الأعلام، ويستقيل مدرب النادى المهزوم أو يُقال رئيسه.

واستطاعت ثورة يناير 2011 حشد الشباب، وتجنيد المليونية، وتجميع كل القوى السياسية القديمة والجديدة نحو هدف واحد «الشعب يريد إسقاط النظام» الذى تحول إلى «الشعب يريد إسقاط الرئيس». وتحققت الوحدة الوطنية على الأرض بين إسلاميين وليبراليين وناصريين واشتراكيين وماركسيين، مسلمين وأقباط ضد نظام القهر والاستبداد، ودفاعا عن الحرية والكرامة. واختفى التحزب الكروى داخل الثورة الشعبية، وأصبح العداء ليس بين الأندية الرياضية بل بين الثورة والثورة المضادة الممثلة فى الفلول، بقايا النظام السابق، وكانت ذروتها فى موقعة الجمل أثناء الثورة وفى أحداث بورسعيد بعد الثورة. وسقط الشهداء فى الثورة كما سقط الشهداء ضحايا الثورة المضادة. واهتزت مصر عن بكرة أبيها، وكسر الشعب حاجز الخوف، واستمرت المظاهرات لاستكمال تحقيق أهداف الثورة، من رأس النظام إلى جسم النظام الذى مازال متغلغلاً فى جهاز الدولة والذى يحاول امتصاص الثورة واحتواءها من أجل عودة النظام السابق، فالمال والسلطة والحزب مازالت موجودة تقوم بدور اللهو الخفى.

واستغلت الثورة المضادة التحزب الكروى للتسلل من خلاله لضرب الثورة عن طريق البلطجية. التحزب موجود، يكفى إشعال الفتيل. التعصب موجود، يكفى إثارة نعرته. ووقعت أحداث بورسعيد، وسقط شهداء بالعشرات، وأثبت النظام السابق أنه مازال يمسك بزمام المبادرة حتى بعد الثورة. التحزب الأعمى موجود، والكوادر موجودة، والمأجورون موجودون. الرأس ثورى ممثل فى الميدان، والجسد ثورة مضادة ممثلة فى جهاز الدولة. إذن يكون السؤال: كيف يتم التحول من التحزب الكروى إلى التحزب السياسى؟

كيف يحل الوطن محل الكرة؟ كيف تشجع الكرة على المنافسة الشريفة، والتطلع إلى الكمال، والرغبة فى الرقى المستمر؟ أليس هذا هو المقصود بحديث «علموا أولادكم السباحة والرماية وركوب الخيل»؟ وهو بالتعبير العسكرى الحديث، سلاح البحرية، وسلاح المدفعية، وسلاح الفرسان. كيف يتحول الحشد الكروى إلى الحشد الثورى، والعداء ضد الأندية الرياضية إلى عداء ضد الثورة المضادة فى الداخل وأعداء الوطن فى الخارج؟ كيف يجند الشباب كل طاقاته للثورة بدلاً من توزيعها بين الثورة والكرة؟ كيف يحفظ الشباب الثورى الثناء عليه بدلا من أن يتحول إلى سخط على الشباب الكروى؟ إن الثورة تفصل ما قبلها- التحزب الكروى - وما بعدها - التحزب السياسى.

طالما أن التحزب الكروى مازال موجودا فإن الثورة لم تهز بعد وجدان الشباب، ولم تخرج بعد من أعماق الشعب. طالما أن البديل الكروى هو البديل الثورى قبل الثورة وبعدها فإن الثورة لم تقع بعد إلا فى لحظة تاريخية فارقة، تعود بعدها إلى السكون. ويتسرب الوجدان الثورى إلى الكرة من جديد، خاصة إذا لم تحقق الثورة شيئا للشباب. لقد تعود الشباب على الحماس الكروى عدة عقود من الزمان، فهو أطول من الوعى التاريخى الشعبى. فى حين أن الحماس الثورى الأخير وقع فى ثلاثة أسابيع وبدأ فى الانطفاء تدريجيا حتى بلعته المؤسسات الدستورية، برلمانا ورئاسة ودستورا. كيف تستطيع الثورة أن تحافظ على أبنائها دون أن ينصرفوا عنها إلى أوجه نشاط بديلة ومنها النشاط الكروى؟

كيف تتحول المنافسة الرياضية إلى حوار وطنى بين فرقاء فى الوطن، بدلاً من العداء الرياضى بين الأندية المتنافسة؟ كيف يكمل كل ناد الآخر بما لديه من مواهب وإمكانيات، كما يحدث دائما فى تشكيل الفريق القومى فى لعبه مع فرق الدول الأخرى؟ فالحوار الوطنى والتبادل الرياضى يمنعان من الاستقطاب والعنف بين التيارين السياسيين أو الفريقين الرياضيين.

هناك رغبة لدى الشباب الرياضى والسياسى فى الانتصار فى المعارك الداخلية والخارجية، فالطاقة واحدة، تـُصرف فيما ينفع، الرياضة نافعة، ولكن التحزب لها عن طريق التشجيع ضار. والسياسة نافعة، ولكن التحزب لها عن طريق التعصب الحزبى ضار. يرغب الشباب فى الدخول فى معركة، وهى معركة الثورة والتقدم وليست معركة التهليل والصراخ تأييداً لأحد الفريقين الرياضيين. يرغب فى الانتصار، فى معارك التنمية وزيادة الدخل القومى والبناء والتصنيع والتعمير والمشاريع التنموية الكبرى مثل إعادة بناء العشوائيات، وإعادة تسكين سكان المقابر، وبناء المصانع للعاطلين، وبناء المدارس لمحو الأمية، والمستوصفات للمرضى.

هذا هو طريق الشباب الرياضى للنصر والشعبية، وهذا هو الطريق لتحقيق الهوية ونيل المجد والخلود، فالشباب هم أكثر أهل الجنة، وهم أول المؤمنين بالرسالات، يتميزون بالطهارة والنقاء، والصدق والإخلاص، ويتمنون الشهادة، مهمة الثورة ألا تفقدهم بل أن تجندهم فى تدريبات رياضية وعسكرية. فالأرض مازالت محتلة فى فلسطين أمام عدو مدجج بالسلاح، يستوطن الأراضى، ويستعد للعدوان. والمؤمن القوى خير من المؤمن الضعيف.
------------------
بقلم: د. حسن حنفي
(نقلا عن صفحة الكاتب على فيس بوك)

مقالات اخرى للكاتب

ماذا يعني قول المسلم
اعلان